في رحاب مدينة الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية، وُلد محمد بن عبد الرحمن بن ملهي بن محمد العريفي عام 1390 هـ الموافق 1970 م، في بيئة محافظة تغذّت بقيم الإسلام وروح العروبة الأصيلة. وينتسب الشيخ إلى فخذ الجبور من قبيلة بني خالد، تلك القبيلة العريقة التي تعود بجذورها إلى سيف الله المسلول، الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، فكأنما ورث من أجداده روح الفتح والمبادرة، لكنه وجّهها في ميدان العلم والدعوة بدلاً من ميادين السيف والقتال.
نشأ الشيخ محمد في أحضان هذا النسب الكريم، وتشرّب منذ صغره حبّ العلم الشرعي، فكانت بداياته الأولى في حلقات المساجد ورحاب الجامعات إيذاناً بمسيرة علمية حافلة ستمتد عقوداً من الزمن، وتتخطى حدود المملكة لتصل إلى أقاصي العالم الإسلامي وما وراءه.
سلك الشيخ محمد العريفي طريق التحصيل الأكاديمي بهمّة عالية ونَفَسٍ طويل، فالتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، تلك الجامعة التي تُعدّ من أعرق مؤسسات التعليم الشرعي في الجزيرة العربية، وتخرّج فيها جيلٌ بعد جيل من العلماء والدعاة.
حصل على شهادة البكالوريوس في أصول الدين عام 1411 هـ (1991 م)، فكانت هذه الشهادة بمثابة حجر الأساس الذي بنى عليه صرحه العلمي. ولم يكتفِ بذلك، بل واصل مسيرته نحو الدراسات العليا بعزيمة لا تلين، فنال شهادة الماجستير في أصول الدين، تخصص العقيدة والمذاهب المعاصرة، عام 1416 هـ (1996 م) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وكان عنوان رسالته: "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، لابن القيم، تحقيق ودراسة"، وهي القصيدة النونية الشهيرة لابن القيم رحمه الله، التي تُعدّ من أجلّ المنظومات العقدية في تراث أهل السنة والجماعة. وقد أفرغ فيها الشيخ جهداً كبيراً في التحقيق والدراسة حتى خرجت في مجلدين ضخمين.
ثم توّج مسيرته الأكاديمية بالحصول على شهادة الدكتوراه في أصول الدين، تخصص العقيدة والمذاهب المعاصرة أيضاً، عام 1421 هـ (2001 م) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وكان عنوان رسالته: "آراء شيخ الإسلام ابن تيمية في الصوفية، جمع ودراسة"، وهي رسالة تكشف عن عمق اهتمام الشيخ بالتراث العلمي لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومعرفته الدقيقة بمسائل التصوف وتاريخه ونقد أهل العلم له. وقد خرجت هذه الرسالة أيضاً في مجلدين.
لم يقتصر تحصيل الشيخ محمد العريفي على الدراسة الأكاديمية النظامية، بل حرص على الاتصال بالمشايخ والعلماء أصحاب الأسانيد العالية، فنال عدداً من الإجازات العلمية الرفيعة التي تربطه بسلاسل الرواية المتصلة، سواء في القرآن الكريم أو في الحديث النبوي الشريف.
تتلمذ الشيخ محمد العريفي على نخبة من أكابر علماء المملكة العربية السعودية، فجلس بين أيديهم ونهل من معينهم في مختلف فنون العلم الشرعي، من التفسير والفقه إلى العقيدة والفرائض، وكان يجمع بين التحصيل الأكاديمي في الجامعة والتلقّي المباشر عن المشايخ في دروسهم ومجالسهم.
يحمل تزكيات من مشايخه الذين قرأ عليهم، وهي شهادات تدلّ على ثقتهم بتحصيله العلمي وأهليّته لنقل العلم وتعليمه.
لم تكن المناصب هي ما يشغل بال الشيخ محمد العريفي بالدرجة الأولى، غير أنّ مؤهلاته العلمية الرفيعة ونشاطه الدعوي الواسع جعلاه محلّ ثقة المؤسسات الأكاديمية والدينية على حدٍّ سواء.
شغل الشيخ منصب عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود بالرياض، إحدى أعرق الجامعات في المنطقة، حيث أسهم في تكوين أجيال من الطلبة في العلوم الشرعية، وأثرى الحركة الأكاديمية بأبحاثه ومحاضراته. ولا يزال يشغل منصب خطيب جامع البواردي بالرياض منذ عام 1426 هـ (2006 م)، وهو المنبر الذي يعتليه كل جمعة ليخاطب من خلاله جموعاً غفيرة من المصلّين بخطبه المؤثرة التي تجمع بين العلم الشرعي وفنون الخطابة الحديثة.
إضافة إلى ذلك، يعمل الشيخ مستشاراً غير متفرغ لعدد من الهيئات الإسلامية، مستثمراً خبرته الطويلة في الشأن الشرعي والدعوي لتقديم المشورة والتوجيه. كما أنه محاضر متعاون مع عدد من الجامعات في داخل المملكة وخارجها، مما يعكس ثقة المؤسسات الأكاديمية المختلفة بمستواه العلمي وقدراته التعليمية.
يُعدّ الشيخ محمد العريفي من أنشط الدعاة المعاصرين في مجال المشاركات العامة والمؤتمرات الدولية، إذ بلغ نشاطه في هذا الميدان مستوى استثنائياً يعكس طاقته الكبيرة وحضوره المؤثر.
شارك بمئات المحاضرات العامة في المساجد والمخيمات الشبابية في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وكان لهذه المحاضرات أثر واسع في أوساط الشباب تحديداً، إذ عُرف عنه أسلوبه الجذّاب وقدرته على مخاطبة مختلف الشرائح العمرية. كما شارك في تقديم عدد من الدورات العلمية الشرعية في داخل المملكة وخارجها، ساعياً إلى نشر العلم الشرعي بأسلوب ميسّر.
وعلى صعيد المؤتمرات، شارك الشيخ في عدد من الملتقيات والمؤتمرات في الداخل والخارج، من أبرزها: مؤتمر الحوار الوطني بالمملكة العربية السعودية، ومؤتمر نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بمملكة البحرين، ومؤتمر الإسلام والحضارات بدولة الأرجنتين الذي يعكس امتداد نشاطه الدعوي إلى أمريكا اللاتينية، ومؤتمر أطباء الحرمين بالمملكة، ومؤتمر حقوق النبي صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة.
ولم يكتفِ الشيخ بالمشاركة في المؤتمرات الشرعية فحسب، بل حضر وقدّم دورات تدريبية متنوعة في مهارات تطوير الذات، وفنون التعامل مع الآخرين، وفنون التفاوض والإقناع، ومهارات الإلقاء، وعلم الاتصال، مما يدل على سعة اهتماماته وحرصه على التطوير المستمر في أدوات التواصل والتأثير.
أما على الصعيد الإعلامي، فقد كانت مشاركاته في القنوات الفضائية المتنوعة حاضرة بقوة، إذ بلغت خلال عشر سنوات أكثر من ألف لقاء تلفزيوني ما بين مسجّل ومباشر، وهو رقم استثنائي يعكس حضوره الطاغي في المشهد الإعلامي الإسلامي المعاصر.
بلغت مؤلفات الشيخ محمد العريفي أكثر من عشرين عنواناً بين كتاب ومطوية، وتتميز مؤلفاته بأنها تُباع بسعر رمزي تيسيراً على القرّاء وحرصاً على انتشار النفع. وقد حقّقت كتبه انتشاراً واسعاً بلغ ملايين النسخ، وتُرجم بعضها إلى لغات عديدة، مما يجعله من أكثر المؤلفين المعاصرين في الشأن الإسلامي رواجاً وانتشاراً.
يتميّز الشيخ محمد العريفي بجمعه بين العلم الشرعي والمهارات العصرية في التواصل والتأثير، فقد حضر وقدّم دورات تدريبية متنوعة شملت مجالات عدة، مما أكسبه أدوات فعّالة في إيصال رسالته الدعوية.