هو سماحة العلامة الإمام الفقيه المفتي عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن إبراهيم بن فهد بن حمد بن جبرين بن محمد بن عبدالله بن رشيد، وكنيته أبو محمد.
من آل رشيد، وهم فخذ من عطية زيد، وبنو زيد قبيلة مشهورة بنجد. كان أصل وطنهم مدينة شقراء، ثم نزح بعضهم إلى بلدة القويعية في قلب نجد. وأخواله هم آل مسهر المشهورون.
ولد —رحمه الله تعالى— سنة 1349هـ في بلدة مُحَيْرِقَة، وهي إحدى قرى القويعية، ونشأ في قرية الرّين.
بدأ طلب العلم وعمره عشر سنوات، فقرأ القرآن وتعلّم الكتابة على والده —رحمه الله— الذي كان من طلبة العلم وأهل النصح والإخلاص، وعلى عمه الشيخ سعد بن عبدالله بن جبرين إمام جامع محيرقة.
حفظ القرآن الكريم كاملاً وعمره سبع عشرة سنة. وأول المتون التي حفظها عن ظهر قلب: ثلاثة الأصول، والأربعون النووية، والرَّحبية في الفرائض، والآجرُّومية في النحو.
قرأ على الشيخ عبدالعزيز بن محمد أبو حبيب الشثري —قاضي الرين— وهو شيخه الأكبر الذي تأثر به أعظم التأثر، قرأ عليه صحيح البخاري وصحيح مسلم وكثيراً من كتب العلم. كما انتفع بمجالسة الشيخ صالح بن مطلق —رحمه الله— وكان يسافر إليه مع والده راجلاً مسافة ثماني كيلومترات.
كان طلب العلم في ذلك الزمن من الصعوبة بمكان؛ حيث لا اتصالات ولا مواصلات سريعة، فكان الشيخ يسافر من بلد إلى آخر مشياً على الأقدام أو على الإبل، يقطع المسافة بين الرين ومحيرقة —وهي نحو خمس وستين كيلاً— في يومين كاملين.
وفي عام 1374هـ انتقل إلى الرياض والتحق بـمعهد إمام الدعوة، واستمر فيه دارساً حتى انتهى من القسم العالي عام 1381هـ، وكان الأول بين الطلاب الناجحين في جميع المراحل الدراسية.
وخلال تلك الفترة تتلمذ على كبار العلماء في الرياض، منهم سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، والعلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان.
وقد أنابه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز كي يدرّس في الجامع الكبير بعد المغرب لمدة أربعة أيام في الأسبوع. كما عُيّن إماماً وخطيباً في جامع والدة الأمير عبدالرحمن المقرن بالسويدي حتى وفاته.
كان الشيخ —رحمه الله— من المكثرين من التدريس؛ فالكتب التي يشرحها في الأسبوع الواحد تقارب السبعين كتاباً، وله أكثر من ثلاثين درساً أسبوعياً في أنحاء الرياض، وهو مع ذلك محتسب لا يأخذ على تدريسه أجرة.
شرح الشيخ —رحمه الله— مئات الكتب في شتى فنون العلم الشرعي، وانتهى من بعضها عدة مرات:
أحبّ الشيخ —رحمه الله— كتب شيخ الإسلام ابن تيمية حباً شديداً، وشرحها جميعها ما عدا: درء تعارض العقل والنقل، وبيان تلبيس الجهمية (لتأخر طباعتهما)، والرد على المنطقيين.
ترك الشيخ —رحمه الله— إرثاً علمياً ضخماً من المؤلفات والرسائل والفتاوى:
كما أشرف على طبع كتاب «حاشية الروض المربع» للشيخ عبدالرحمن بن قاسم.
تخرّج على يديه جمع غفير من العلماء والقضاة وطلبة العلم، قلّ أن تجد ناحية من نواحي البلاد إلا وللشيخ تلاميذ فيها، ومنهم:
ومن القضاة الذين تتلمذوا عليه: القاضي عبدالعزيز بن إبراهيم المهنا، والقاضي عبدالله الدهش، والقاضي محمد الجار الله، والقاضي مسعود الحقباني، وغيرهم كثير.
كان —رحمه الله— عالماً ورعاً تقياً فاضلاً، خمائل الصلاح عليه لائحة، وأنوار الهدى والتقى فيه واضحة، مع مكارم أخلاق وطيب أعراق.
كان غايةً في التواضع والمباسطة، لم نرَ بعد سماحة الشيخ ابن باز في هذا مثله. ابتسامته للناس كلهم لا يفرّق بين رفيع أو وضيع ولا كبير أو صغير. وأوقع الله محبته في قلوب الخلق.
كان مجلسه في بيته يغصّ بالناس والمحتاجين؛ فيشفع لهذا ويعطي ذاك ويزكّي الآخر. وشفاعاته لا يمكن عدّها وحصرها عند ولاة الأمر والوجهاء وأهل الخير والإحسان.
يُعدّ الشيخ —رحمه الله— من الراسخين في العلم الذين وهبهم الله تأصيلاً وملكةً علميةً عظيمة، وقد تميّز منهجه بعدة خصائص:
إذا تكلم في مسألة كأنما يَغرف من بحر؛ لكثرة علمه وسعة محفوظاته، وقد كان في قوة علمه رحمةً للسنة وأهلها، شديداً على أهل الأهواء والبدع.
أُجريت له عملية في القلب قبل ستة أشهر من وفاته في مستشفى الملك فيصل التخصصي، وتعرّض بعدها بأسبوع إلى مضاعفات وصعوبة في التنفس أدت إلى إصابته بالتهاب رئوي، مما استدعى عمل فتحة للأكسجين في القصبة الهوائية.
سافر إلى ألمانيا للعلاج وبقي هناك شهراً، ثم عاد وبقي في العناية المركزة بمستشفى التخصصي.
فُجعت الأمة بوفاته —رحمه الله تعالى— بعد ظهر يوم الإثنين 20 رجب 1430هـ.
صُلّي عليه في الجامع الكبير —جامع الإمام تركي بن عبدالله— بالرياض بعد صلاة الظهر يوم الثلاثاء 21 رجب 1430هـ، وحضر الصلاة جمع غفير من المشايخ وطلاب العلم والمسلمين حتى امتلأت بهم الشوارع والطرقات، وكان عددهم بالآلاف.
يا سائلي عن الشيخ ابنِ جبرين
رُزِقَ الهدى.. مَن للهدى يُسأَلُ
حُبُّ المشايخِ كُلِّهم لي مذهبٌ
وإنما ابنُ جبرينٍ منهم أفضلُ
المصادر: كتاب «مختصر رياض المحبين في سيرة الشيخ ابن جبرين» لمتعب السلمي، وترجمة الشيخ عبدالوهاب الزيد (موثقة
ومُقرّة من الشيخ)
(1349 هـ - 1430 هـ)