في الرياض، عاصمة نجد وقلبها النابض، حيث تتناغم صلابة الرجال مع عراقة العلم، أبصر النورَ غلامٌ قُدّر له أن يكون إماماً للمسلمين في القرن العشرين. في اليوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة 1330هـ الموافق سنة 1912م، وُلد عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز، في كنف أسرة آل باز المعروفة بالعلم والقضاء والتجارة والزراعة، تلك الأسرة العريقة التي يعود أصلها إلى المدينة النبوية، والمشهود لها بالفضل والأخلاق الرفيعة.
نشأ الشيخ في بيئة علمية دينية عُرفت بإخراج العلماء والقضاة الذين تولّوا مناصب القضاء في أنحاء الجزيرة العربية. فمن هذه الأسرة الشيخ عبدالمحسن بن أحمد آل باز المتوفى سنة 1342هـ الذي تولى القضاء في الحلوة، والشيخ مبارك بن عبدالمحسن بن باز المتوفى سنة 1385هـ الذي تولى القضاء في الطائف وبيشة وحريملاء، والشيخ مرشد بن عثمان بن باز الذي تولى القضاء في الأفلاج. فكانت هذه الأسرة حاضنةً للعلم والإيمان، وكان نسيم الفقه والتقوى يسري في أروقة بيوتها، وقد غُرس في نفس الفتى عبدالعزيز حبُّ العلم والدين منذ نعومة أظفاره.
كان والد الشيخ عبدُالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله آل باز رجلاً فاضلاً من أهل الخير والصلاح، لكنه لم يُمهله القدر طويلاً ليرى ما سيصير إليه ابنه، إذ توفّاه الله في شهر ذي القعدة سنة 1333هـ، والشيخ عبدالعزيز لا يزال طفلاً صغيراً لم يتجاوز الثالثة من عمره. أما والدته فكانت من آل باز أيضاً، ولعل نشأته يتيم الأب كانت من عوامل تشكّل شخصيته القوية واعتماده على نفسه وتعلّقه بالله تعالى.
وكان للشيخ إخوة عدّة: محمد بن عبدالله وهو شقيقه، وعبدالرحمن بن عبدالله وهو أخوه من أبيه، وإبراهيم بن عبدالرحمن بن سيف وهو أخوه من أمه، ومنيرة بنت فهد بن مضحى وهي أخته من أمه.
رُزق الشيخ رحمه الله بأربعة أبناء ذكور وستّ بنات، وبابنه الأكبر عبدالله يُكنى:
الذكور من هيا: عبدالله (وبه يُكنى)، وعبدالرحمن — ومن منيرة: أحمد، وخالد
الإناث من هيا: سارة، والجوهرة، ومضاوي — ومن منيرة: هيا، وهند، ونوف
بدأ الشيخ رحمه الله طلب العلم في سنّ مبكرة من عمره، إذ كانت روحه تواقة إلى المعرفة متعطشة للعلوم الشرعية، فأتمّ حفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ الحُلُم، وهو ما يدلّ على نبوغ مبكر وذاكرة حادة قلّ نظيرها. ثم انصرف بكلّيته إلى طلب العلوم الشرعية على يد علماء بلده، فدرس وبرع في القرآن الكريم وتفسيره، والحديث النبوي ومصطلحه، والعقيدة على منهج السلف الصالح، والفقه الحنبلي، وأصول الفقه، والعربية والنحو والفرائض.
وكان سماحة الشيخ عبدالعزيز رحمه الله مبصراً في أول حياته، فشاء الله تعالى لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام 1346هـ إثر مرض أصيب به في عينيه، ثم ذهب جميع بصره في عام 1350هـ وعمره قريب من العشرين عاماً. لكن ذلك الابتلاء لم يثنِه عن طلب العلم، ولم يُقلّل من همّته وعزيمته، بل كان حافزاً له على مضاعفة الجهد والاجتهاد، فاستمرّ في طلب العلم ملازماً لصفوة فاضلة من العلماء الربّانيين والفقهاء الصالحين، فاستفاد منهم أشدّ الاستفادة، وأثّروا عليه في بداية حياته العلمية بالرأي السديد والعلم النافع والحرص على معالي الأمور والنشأة الفاضلة والأخلاق الكريمة والتربية الحميدة، مما كان له أعظم الأثر وأكبر النفع في استمراره وتفوّقه.
أُصيب الشيخ بضعف في بصره سنة 1346هـ إثر مرض في عينيه، ثم فقد بصره كلياً سنة 1350هـ وهو في نحو العشرين من عمره. غير أن الله عوّضه بصيرة نافذة وفراسة حادة، فكان يعرف الرجال وينزّلهم منازلهم، ويميّز الجادّ في طلب العلم من غيره، ويفرّق بين صالح الناس وطالحهم، حتى صار كفُّ البصر عنده مصدر قوّة لا ضعف، وبرهاناً على أن العلم نورُ القلب لا نورُ العين.
تلقّى الشيخ رحمه الله العلم على يد كبار علماء عصره في نجد، فكان ملازماً لهم متأدّباً بآدابهم ناهلاً من معينهم الذي لا ينضب، وقد تنوّعت علومه بتنوّع مشاربهم وتخصّصاتهم.
كان رجلاً مهيباً، وذكياً أديباً، وحكيماً في المناسبات المحرجة
كان الشيخ عبدالعزيز رحمه الله صاحب بصيرة نافذة وفراسة حادّة يعرفها جيداً من عاشره وخالطه وأخذ العلم على يديه. فمن فراسته أنه كان يعرف الرجال وينزّلهم منازلهم، فيعرف الجادّ منهم في هدفه ومقصده من الدعاة وطلبة العلم فيكرمهم أشدّ الإكرام ويقدّمهم على من سواهم ويخصّهم بمزيد من التقدير ويسأل عنهم وعن أحوالهم دائماً. وكانت له فراسة في معرفة رؤساء القبائل والتفريق بين صالحهم وطالحهم.
وكانت له فراسة أيضاً فيما يُعرض عليه من المسائل العويصة والمشكلات العلمية، فتجده فيها متأمّلاً متمعّناً لها، تُقرأ عليه عدة مرات حتى يفكّ عقدتها ويحلّ مشكلها. وكانت له فراسة كذلك فيما يتعلّق بالإجابة عن أسئلة المستفتين، فهو دائماً يرى الإيجاز ووضوح العبارة ووصول المقصد إن كان المستفتي عامّياً من أهل البادية، وإن كان المستفتي طالب علم حريصاً على الترجيح في المسألة أطال النَّفَس في جوابه مع التعليلات وذكر أقوال أهل العلم وتقديم الأرجح منها وبيان الصواب بعبارات جامعة مانعة.
لم تكن المناصب هي ما يشغل بال شيخنا رحمه الله، غير أن القدر ساقه إلى تولّي مسؤوليات جسام خدم فيها الأمّة خدمة عظيمة، فتنقّل بين مناصب القضاء والتدريس والإفتاء حتى بلغ أرفعها وأعظمها شأناً.
وإلى جانب هذه المناصب الكبرى، تولّى الشيخ رحمه الله رئاسة المجلس التأسيسي في رابطة العالم الإسلامي، ورئاسة مجمع الفقه الإسلامي، ورئاسة مجلس هيئة كبار العلماء، فكان مرجع الأمة ومفزعها في النوازل والقضايا الكبرى.
أحبّه الناس وعظّموه، وتأدّب معه الكبار والصغار، والملوك والأمراء والحكّام، وهابه الجميع
أثرى الشيخ رحمه الله المكتبة الإسلامية بمؤلفات عديدة تنوّعت بين كتب في العقيدة الإسلامية بأنواعها وأقسامها المختلفة، وكتب في الفقه وأصوله وقواعده والعبادات والمعاملات، وكتب في الحديث وأصوله ومصطلحاته، وفي الدعوة والمنهج والأذكار وغيرها، ونبّه إلى البدع والمنكرات. ترك إرثاً علمياً ضخماً يشهد بغزارة علمه وسعة إحاطته بمصادر الشريعة.
تميّز الشيخ رحمه الله بصفات جعلته إمام المسلمين في عصره ومرجعهم في النوازل والملمّات، فقد جمع الله له بين سعة العلم وعظمة الخُلُق، فكان قدوة حيّة يُقتدى بها في العلم والعمل والسلوك.
عُرف عنه سعة علمه وإحاطته بمصادر الشريعة إحاطة شاملة، مع قوة الذاكرة والحفظ رغم كفّ البصر، والتزامه منهج السلف الصالح في الاعتقاد التزاماً راسخاً لا يحيد عنه، وتحرّيه الصواب في الفتوى والورع فيها حتى كانت فتاواه تسير في الآفاق ويأخذ بها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها.
كان رحمه الله آية في التواضع الجمّ من غير ضعف ولا مهانة، يلقى الناس ببشاشة واستبشار ولطف وحسن معاشرة، ويتودّد إليهم بطيب نفسه من غير خبث ولا ضغينة. اشتهر بالحكمة والكياسة في التعامل مع المواقف الحرجة، والجرأة في الحقّ والصدع به من غير مجاملة لأحد، مع الجود والكرم والبذل الذي لا ينقطع.
كان كثير الخشية لله تعالى، زاهداً في الدنيا وزخرفها، محافظاً على قيام الليل وكثرة الذكر، حريصاً على النوافل حرصه على الفرائض، فكان يجمع بين العلم والعبادة جمعاً يندر أن يوجد في غيره.
تميّز بالتواضع، واللطف، والتودّد للناس، وطيب النفس من غير خبث ولا ضغينة
أحبّه الناس وعظّموه محبّة عجيبة نادرة، وتأدّب معه الكبار والصغار والملوك والأمراء والحكّام، وهابه الجميع هيبة العالم الذي يتكلّم بالحقّ ولا يخشى في الله لومة لائم. فقد كان رجلاً مهيباً وذكياً أديباً وحكيماً في المناسبات المحرجة، يضع كل شيء في نصابه ويعالج كل موقف بما يناسبه من الحكمة والرأي السديد.
في يوم الخميس السابع والعشرين من شهر المحرم سنة 1420هـ الموافق الثالث عشر من مايو 1999م، أسلم الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز الروح لبارئها، بعد حياة حافلة بالعلم والعمل والجهاد في سبيل الله، قضى منها قرابة تسعين عاماً في خدمة الدين والعلم والأمة. تلك حياة لم تعرف الراحة ولم تألف الدَّعة، بل كانت سلسلة متصلة من البذل والعطاء حتى آخر أنفاسه رحمه الله.
صُلّي على الإمام ابن باز في المسجد الحرام بمكة المكرمة، ذلك المسجد الذي طالما تردّد صداه بفتاوى الشيخ وعلمه، وشيّعه جمع غفير من المسلمين لم تشهد مكة مثله إلا نادراً، حيث توافد الناس من كل حدب وصوب لوداع إمامهم ومفتيهم. ثم دُفن رحمه الله في مقبرة العدل بمكة المكرمة، ليكون جاراً لبيت الله الحرام حتى بعد رحيله.
رحل الجسد وبقي الأثر، فمؤلفاته لا تزال تُقرأ في كل مكان، وفتاواه لا يزال المسلمون يعملون بها، وتلاميذه نشروا علمه في أرجاء المعمورة، وذِكره الحسن يسري بين المسلمين مسرى الروح في الجسد.