هو الشيخ المحدِّث الناقد المُسنِد أبو الحارث ماهر بن ياسين فحل الهيتي المَوْلى، من قبيلة الموالي العراقية، أحد أبرز علماء الحديث النبوي في العراق والعالم الإسلامي المعاصر. عالمٌ جمع بين التأليف والتحقيق والشرح والتدريس، فأثرى المكتبة الحديثية بمصنّفات ذات قيمة علمية رفيعة، حتى صار مرجعاً في علل الحديث ونقد الأسانيد والمتون. يتولّى مشيخة دار الحديث العراقية، ويُعدّ من القلائل الذين جمعوا بين الرواية والدراية في عصرنا.
من تأمّل مصنّفاته وتحقيقاته وشروحه تبيّن له رسوخ قدمه في علم الحديث رواية ودراية، وقد أثنى عليه شيوخه وأقرانه ثناءً حسناً، ولو لم يكن له إلّا كتابه الموسوعي «الجامع في العلل والفوائد» الذي استغرق في تصنيفه ستّ سنوات كاملة، لكفاه فخراً وشرفاً في خدمة السنّة النبوية المطهّرة.
ينتسب الشيخ ماهر إلى قبيلة الموالي العراقية العريقة، وهي قبيلة عربية ذات تاريخ طويل في بلاد الرافدين. وُلد في الخامس عشر من شهر ذي القعدة سنة ألف وثلاثمئة وتسعين من الهجرة النبوية، الموافق للثاني عشر من كانون الثاني (يناير) سنة ألف وتسعمئة وإحدى وسبعين ميلادية، ونشأ في بيئة علمية محافظة حببّت إليه طلب العلم الشرعي والاشتغال بالسنّة النبوية منذ نعومة أظفاره.
تدرّج الشيخ ماهر في مراحل التعليم النظامي، فالتحق بإعدادية الدراسات الإسلامية وتخرّج منها سنة 1988–1989م بمعدّل 84%، ممّا يدلّ على نبوغه المبكر وجدّيته في التحصيل العلمي. ثم قُبل في كلية العلوم الإسلامية بجامعة بغداد، فتخرّج منها سنة 1993–1994م، وقد تفتّحت له في تلك المرحلة آفاق واسعة في العلوم الشرعية، ولا سيّما علم الحديث الذي استأثر بجلّ اهتمامه.
ولم يقف طموحه عند هذا الحدّ، فقُبل في الدراسات العليا بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية ببغداد سنة 1996–1997م، ونال درجة الماجستير في الفقه المقارن في الثالث والعشرين من يونيو سنة 1999م عن رسالته الموسومة بـ«أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء»، وهي رسالة رائدة جمع فيها بين علم العلل وعلم الفقه المقارن في بحث متفرّد. ثم التحق بمرحلة الدكتوراه في العام نفسه، وأنهى سنته التحضيرية بتقدير جيد جداً، ثم ناقش رسالة الدكتوراه الموسومة بـ«أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء» في الثلاثين من سبتمبر سنة 2002م بتقدير امتياز.
درس الشيخ ماهر العلوم الشرعية على طائفة من كبار العلماء والمشايخ، وحصل على إجازات متنوّعة في أغلب كتب الحديث وكثير من كتب العلم، حتى صار ذا إسناد عالٍ متّصل إلى أمّهات الكتب والدواوين. ومن أبرز شيوخه ومجيزيه:
تقلّد الشيخ ماهر عدداً من المناصب العلمية والإدارية التي تُبرز مكانته ودوره الفاعل في خدمة العلم الشرعي، فمن أبرز ما تولّاه:
يروي الشيخ ماهر الفحل مجموعة كبيرة من أمّهات الكتب بأسانيده المتّصلة إلى مؤلّفيها، ممّا يُعدّ ثروة إسنادية نادرة في هذا العصر. ومن أبرز ما يرويه مُسنَداً:
مارس الشيخ ماهر التأليف والتصنيف في سنّ مبكّرة، فأنتج عشرات الكتب والرسائل والأبحاث التي تنوّعت بين التأليف الأصيل والتحقيق العلمي الدقيق. وقد غلب على مصنّفاته الاشتغال بعلوم الحديث وعلله والفقه المقارن، وتميّزت بالأصالة والتحرير والاستقراء الواسع.
ومن مؤلّفاته أيضاً: «إبراز صنعة الحديث»، و«خطورة القول على الله بغير علم»، و«تفسير الفاتحة»، و«تفسير جزء عمّ»، و«محاضرات في علوم الحديث»، و«بحوث في المصطلح»، و«وقفات للمسلمين والمسلمات» (طُبع منه 10,000 نسخة وُزّعت مجّاناً)، و«لا تحريم بإرضاع الكبير»، و«التبيان في تخطئة من قال برفع اليدين بين السجدتين»، و«بيان أنّ تحريك الإصبع في الصلاة ليس بسنّة»، وغيرها.
تميّزت تحقيقات الشيخ ماهر بالدقّة والضبط والمقابلة على النسخ الخطّية، مع عناية بالغة بتخريج الأحاديث والحكم عليها، وضبط النصوص وتوثيقها. وقد حقّق عدداً من أمّهات كتب الحديث وعلومه، من أبرزها:
ومن تحقيقاته أيضاً: «كتاب الرسالة للإمام الشافعي» (دار الكتب العلمية)، و«مختصر المختصر» في ستّ مجلدات مع ذيله (دار الميمان)، و«الكفاية في معرفة أصول علم الرواية» في مجلدين (دار ابن الجوزي)، و«النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي (مكتبة الرشد)، و«بلوغ المرام»، و«المحرَّر في الحديث»، و«زيادة الثقة وأثرها في الفقه الإسلامي» (مجلة الحكمة)، و«رفع اليدين في الصلاة» (مجلة الحكمة).
للشيخ ماهر جهود جليلة في التدريس ونشر العلم، فقد افتتح دورات علمية عديدة، وأجاز عدداً غفيراً من طلبة علم الحديث، فيهم عدد من الأساتذة في بعض الجامعات. ودروسه ودوراته لم تنقطع قطّ، سواء في دار الحديث أو في الجامع الكبير وجامع أهل البيت وداره العامرة بالرمادي، وله دروس يومية مستمرّة تشمل جميع فنون العلم الشرعي. ومن أبرز شروحه المسجّلة:
إضافة إلى عشرات الدروس والمحاضرات في الحديث وعلومه والتفسير والفقه، ومقالات وأبحاث منشورة في عدد من المجلات الإسلامية كمجلة الفتوى ومجلة الرباط ومجلة الحكمة ومجلة البيان ومجلة من أجل الإيمان، وأبحاث رقمية في ملتقى أهل الحديث وصناعة الحديث.
يُعدّ كتاب «الجامع في العلل والفوائد» أبرز مؤلّفات الشيخ ماهر على الإطلاق، وهو موسوعة حديثية جامعة في علم العلل صدرت في خمس مجلدات عن دار ابن الجوزي بالرياض سنة 1431هـ، بلغت صفحاتها 2697 صفحة. استغرق الشيخ في تصنيفه ستّ سنوات كاملة، وكانت مسوّداته التي أُرسلت إلى الدار الناشرة حِمل سيارة كاملة.
اشتمل الكتاب على طريقتَي المحدّثين في التصنيف في علل الحديث: التنظير والتطبيق، فجمع جميع أنواع العلل سواء ما كان منها في السند أو في المتن أو فيهما معاً. وهو أوّل كتاب رتّب الأحاديث المعلولة على أجناس العلل، وحريّ به أن يكون موسوعة في علم العلل. وقد أثنى عليه كبار العلماء وأكبر المؤسسات العلمية.
يمتاز الشيخ ماهر بمنهج علمي رصين يقوم على الجمع بين طريقتَي المحدّثين المتقدّمين في نقد الأحاديث والتعليل، والطريقة الفقهية في الموازنة والترجيح، وهو ما يتجلّى بوضوح في رسالتَيه للماجستير والدكتوراه اللتين ربط فيهما بين علم العلل والفقه المقارن ربطاً مبتكراً لم يُسبق إليه. وقد تميّز منهجه بعدّة سمات:
ولو لم يكن له إلّا كتابه «الجامع في العلل والفوائد» لكفاه شرفاً في خدمة السنّة النبوية، فهو حصيلة عمرٍ وثمرة زرعٍ طال سقيه.
من أبرز ما يميّز الشيخ ماهر سخاؤه العلمي المنقطع النظير، فقد جعل كثيراً من مؤلّفاته وتحقيقاته وقفاً لله تعالى يحقّ لكلّ مسلم طبعها ونشرها بشرط عدم تغييرها. وقد طُبعت بعض كتبه بأعداد ضخمة وُزّعت مجّاناً: فكتاب «رياض الصالحين» بتحقيقه طُبع في مجموع طبعاته 8000 نسخة وُزّعت مجّاناً في العراق، و«جامع العلوم والحكم» بتحقيقه طُبع في مؤسسة العنود بكمّية 100,000 نسخة وُزّعت مجّاناً، و«وقفات للمسلمين والمسلمات» طُبع منه 10,000 نسخة وُزّعت مجّاناً كذلك.
أذِن الشيخ لجميع طلاب العلم بطباعة مؤلّفاته وتحقيقاته بشرط عدم تغييرها، وهذا نموذج فريد من السخاء العلمي في عصر صارت فيه حقوق النشر حاجزاً أمام انتشار العلم.
يُعدّ الشيخ ماهر بن ياسين الفحل من أبرز المحدّثين المعاصرين الذين جمعوا بين التأصيل النظري والتطبيق العملي في خدمة السنّة النبوية. تتلمذ على يديه عدد كبير من طلبة العلم في العراق وخارجه، وأجاز عدداً غفيراً منهم بمرويّاته وأسانيده العالية، فيهم أساتذة جامعات وباحثون ومحقّقون. وقد أسهمت مصنّفاته وتحقيقاته في إثراء المكتبة الحديثية بأعمال علمية أصيلة أصبحت مراجع معتمدة في الجامعات ومراكز البحث العلمي.
وقد نشر أبحاثه ومقالاته في عدد من المنصات العلمية الرقمية والمجلات المحكّمة، واشتُهر بين طلبة الحديث بدقّته في الحكم على الأحاديث وتتبّع عللها واستقرائه الواسع لمرويّات الأئمة المتقدّمين.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الشيخ ماهر بن ياسين الفحل ويبارك في عمره وعلمه، وأن ينفع بمصنّفاته وتحقيقاته الأمّة الإسلامية، وأن يجزيه عن السنّة النبوية خير الجزاء