عمر بن عبد الله بن محمد بن صالح آل مقبل العنبري التميمي، أكاديمي ومحدِّث وخطيب سعودي، يُعدّ من أبرز الباحثين المتخصصين في الحديث النبوي الشريف وعلومه في العصر الحاضر. عُرف بالجمع بين التحقيق العلمي الرصين والتأصيل المنهجي المتين، فكان من القلائل الذين جمعوا بين الأكاديمية الجامعية والتدريس الشرعي المباشر والخطابة المنبرية والتأليف النافع، مع عناية بالغة بالقواعد الشرعية والضوابط العلمية.
شغل منصب الأستاذ المشارك في قسم السنة وعلومها بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة القصيم، وتولّى الخطابة في جامع الشيخ محمد بن صالح المقبل بمحافظة المذنب منذ عام 1411هـ، كما درَّس في المسجد الحرام. وقد أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات وبحوث محكَّمة في خدمة السنة النبوية وعلوم الحديث، فضلاً عن سلسلتَيه الشهيرتين: «قواعد قرآنية» و«قواعد نبوية»، اللتين لقيتا قبولاً واسعاً في أوساط طلبة العلم والعامة على السواء.
ينتهي نسب الشيخ عمر المقبل إلى قبيلة بني العنبر بن عمرو بن تميم، وهي من القبائل العربية العريقة في نجد. وُلد في شهر رمضان المبارك من عام 1392هـ الموافق 1972م، في محافظة المذنب بمنطقة القصيم في المملكة العربية السعودية، تلك المحافظة التي عُرفت بكثرة طلبة العلم فيها وانتشار حِلَق التعليم الشرعي في مساجدها.
نشأ الشيخ في بيت علم وصلاح، فجدّه هو الشيخ محمد بن صالح المقبل — رحمه الله — الذي كان من أعيان المذنب وأهل الفضل فيها، وقد كتب حفيده الشيخ عمر سيرته لاحقاً في كتابه «صفحات مطوية من حياة الشيخ محمد بن صالح المقبل»، وفاءً لجدّه وتوثيقاً لسيرة رجل أثّر في محيطه. وقد أقام الشيخ عمر في محافظة المذنب واستقرّ فيها، فكانت له بها أوثق الصلات وأعمق الجذور.
بدأ الشيخ عمر المقبل رحلته مع العلم الشرعي مبكراً، إذ أتمّ حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ محمد أويس بن طماس خان عام 1411هـ، ثم انطلق في مسيرة الطلب والتحصيل التي لم تنقطع. والتحق بدرس الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين — رحمه الله — منذ عام 1410هـ، ولازمه وتواصل معه حتى وفاته عام 1421هـ، فكانت ملازمته للعثيمين نحو أحد عشر عاماً، قرأ خلالها عليه عدداً من أمهات المتون والكتب في فنون شتّى.
وفي مسيرته الأكاديمية، أتمّ الشيخ دراسة البكالوريوس عام 1414هـ (1993م) من كلية الشريعة في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم — التي صارت لاحقاً ضمن جامعة القصيم — وعُيّن معيداً في الكلية نفسها في العام ذاته. ثم واصل تحصيله العالي فنال درجة الماجستير في السنة النبوية عام 1421هـ (2000م) من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وكانت رسالته بعنوان: «زوائد السنن الأربع على الصحيحين في أحاديث الصيام: جمعاً وتخريجاً ودراسة»، وهي مطبوعة في مجلّدين عن مكتبة التدمرية.
ثم أتمّ مسيرته بالحصول على درجة الدكتوراه في التخصص نفسه عام 1427هـ (2006م) من الكلية ذاتها، وكانت أطروحته بعنوان: «منهج الحافظ أبي عبد الله ابن مَنْده في الحديث وعلومه — دراسة موازنة»، وقد نشرتها مكتبة دار المنهاج. وبذلك اكتمل تأهيله الأكاديمي في أعلى الدرجات العلمية في تخصص السنة النبوية وعلومها.
تتلمذ الشيخ عمر المقبل على نخبة من كبار العلماء، ممن طالت ملازمته لهم وعظُم انتفاعه بهم. ورتّبهم هو نفسه حسب الأسبقية الزمنية في الطلب، فكان منهم:
وقرأ على غيرهم من المشايخ ممن لم يُذكروا في هذه العُجالة، ممّا يدلّ على حرصه على تعدّد مصادر التلقّي والتنوّع في الأخذ عن أهل العلم.
كان للشيخ عمر المقبل حضور إعلامي مؤثّر امتدّ عبر الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية، فقدّم عدداً من البرامج الأسبوعية المتميزة في إذاعة القرآن الكريم، كان أبرزها:
إلى جانب ذلك، قدّم الشيخ برامج في بعض القنوات الفضائية، وكان له نشاط دعوي واسع عبر قناته في تيليغرام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث بثّ فيها خواطر علمية ونصائح تربوية وتأملات قرآنية استفاد منها جمهور عريض من المتابعين.
ترك الشيخ عمر المقبل إرثاً علمياً ثرياً تنوّع بين البحوث المحكَّمة والكتب التأليفية والتحقيقات العلمية، وقد تميّزت مؤلفاته بالتأصيل المنهجي وخدمة السنة النبوية. ومن أبرز ما صدر له:
عُرف الشيخ عمر المقبل بين أقرانه وطلابه بجملة من الصفات التي ميّزته في مسيرته العلمية والدعوية. فقد جمع بين التحصيل العلمي الرفيع والعطاء المتواصل الذي لم ينقطع حتى توقّف نشاطه، وكان يُوصَف بطول الباع في إعداد البرامج التأصيلية للمراكز العلمية، مع تمكّن واضح من فنون الحديث النبوي وعلومه.
وكان منهجه في التعليم يقوم على الجمع بين الرصانة العلمية وسهولة الأسلوب، فكتبه — ولا سيّما «قواعد قرآنية» و«قواعد نبوية» — شاهدة على قدرته في تقريب المعاني العلمية العميقة إلى القارئ العام بأسلوب سلس واضح، دون إخلال بالمضمون العلمي أو التأصيل المنهجي.
الرحمة قبل العلم، وتأمّل ثناء الله على الخَضِر بقوله: ﴿آتيناه رحمةً من عندنا وعلَّمناه من لدنّا علماً﴾، فبالرحمة — مع النصح والحزم — تظفر.
وكان يُولي العناية بأخلاق المعلّم وآدابه مكانة خاصة، حيث كتب خواطر نفيسة يهمس بها في آذان المعلمين والمعلمات، يذكّرهم بأنهم يقومون بأحد وظائف الأنبياء، ويحثّهم على الصدق والإخلاص والرحمة بالمتعلّمين. ومن كلامه المأثور في هذا الباب أنّ طلاب العلم يقتبسون من سَمْت معلّميهم وأخلاقهم أكثر مما يقتبسون من كلامهم.
أخي المعلم: أنتَ تقوم بأحد وظائف الأنبياء، فالله الله بالصدق والإخلاص، فمتى ما علم الله منك ذلك بارك في تعليمك، وضاعف مثوبتك، وطيَّب غرسك.
في شهر سبتمبر من عام 2019م، توقّف الشيخ عمر المقبل عن نشاطه العلمي وظهوره الإعلامي فجأة، وسط تقارير إعلامية وحقوقية تفيد باعتقاله. وقد ذكرت عدة مصادر أن ذلك جاء على خلفية مقطع مرئي انتشر له يتضمّن ملاحظات حول بعض الأنشطة الترفيهية وتأثيرها في هوية المجتمع. وقد أشار تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش في نوفمبر 2019م إلى اعتقاله، كما تضمّن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية إشارة مماثلة. ولم يصدر أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي هذه التقارير.
ولا يزال الشيخ — حتى تاريخ كتابة هذه الترجمة — بعيداً عن أهله ومحبّيه وطلابه، في غيابٍ أوقف عطاءً علمياً ودعوياً متواصلاً كان يمتدّ عبر الجامعة والمسجد والإذاعة والمنصات الرقمية، وحرم الأمة من عالم مُتخصّص في خدمة السنة النبوية كان في أوج عطائه وإنتاجه.
ترك الشيخ عمر المقبل أثراً علمياً عميقاً تجاوز حدود الجامعة والمسجد ليصل إلى ملايين المسلمين عبر كتبه وبرامجه ومقالاته. وقد تميّز إرثه بعدة سمات جعلته فريداً بين أقرانه، فكان من القلائل الذين استطاعوا تقديم علوم الحديث — بما فيها من تعقيد فني ومصطلحي — بأسلوب يجمع بين العمق والسهولة.
وقد لقي كتابه «قواعد قرآنية» قبولاً استثنائياً بين القرّاء، حتى بلغ طبعته الرابعة عام 2017م، وصار مرجعاً للخطباء والمربّين والمهتمّين بتدبّر القرآن الكريم. وكذلك كتابه «قواعد نبوية» الذي سار على النهج ذاته في تقريب المعاني النبوية واستنباط الهدايات العملية من الأحاديث الشريفة.
ومن أثره كذلك إشرافه على الدورات التأصيلية للعلوم الشرعية في جامع ابن باز بمحافظة المذنب، التي خرّجت أعداداً من طلبة العلم على منهج أهل السنة. فضلاً عن إشرافه ومناقشته لعدد من الرسائل العلمية في الدراسات العليا التي أسهمت في إثراء البحث العلمي في مجال السنة النبوية.
نسأل الله تعالى أن يفكّ أسر الشيخ عمر المقبل، وأن يفرّج كربه، ويجبر كسره، ويعجّل فرجه، وأن يجزيه عن السنة النبوية وأهلها خير الجزاء، وأن يكتب له القبول في الأرض، ويبارك في علمه وعمره وعمله، ويردّه إلى أهله ومحبّيه سالماً غانماً، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.